محمد أبو زهرة
3825
زهرة التفاسير
مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنا وَعَلَى النَّاسِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ الإشارة إلى عبادة اللّه وحده ، وترك عبادة غير اللّه تعالى أيا كان ، فهو فضل اللّه إذ هداهم إلى عبادة المنعم وحده ، وهدى الناس إليه ، ولكن أكثر الناس لا يشكرون المنعم بعبادته وحده ، ثم بعد أن بين إيمانه وهدايته ليأتسوا ، وجه الطلب إليهما ، مبينا بالدليل القاطع أن اللّه وحده هو المستحق للعبادة ولا يستحقها غيره فقال : أَ أَرْبابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ هذا استفهام إنكاري توبيخى توجيهى فليس بمعقول أن تكون أرباب متفرقة ليس لها فضل المنشئ المنعم ليس لواحد منها ذلك ، ولا لها مجتمعة قدرة ، لا تنفع ولا تضر ، وتكون عبادتها مع ضعفها ، وعدم قدرتها ، عبادتها خيرا من عبادة الواحد الأحد الخالق للكون وحده والقهار الغالب عليه ، والذي لا يكون في الكون شئ إلا بأمره . ثم أخذ يبين بطلان الشرك المصري ، فقال : ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ( 40 ) . نفى وجود ما يسمونه آلهة ، فهي في حقيقة أمرها لا وجود لها وجودا حقيقيا ، فضلا عن أن تكون آلهة معبودة وذلك حق ؛ لأن قدماء المصريين كانوا يفرضون آلهة للزرع ، وآلهة تتوالد ، وتتقاتل ، كلها فروض لا وجود لها فهي أسماء سموها وعبدوها ، وتتابعت أجيالهم على عبادة ليست إلا أسماء سماها أبوهم ، وتبعوهم تبعية الوهم للوهم ما كان لها وجود ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ ، أي حجة تسوغ عبادتها ، وإن الحكم والسلطان ، والقدرة القاهرة ليست إلا للّه خالق كل شئ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ، وهو الجدير بالسلطان وحده أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ، وقد أمر ألا تعبدوا غيره ، و ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ، أي الدين القويم الذي مع العقل والإدراك السليم ، وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ ، أي ليس لهم علم بالحقائق ، بل تسيطر عليهم الأوهام الباطلة ، التي تخدع العقول فلا تعلم ، والمصريون القدماء كانوا خاضعين للأوهام ، ولا تزال بقية منهم خاضعة للأوهام ، وهم الذين لم يدخلوا في دين التوحيد دين اللّه القيم .